محمد حسين علي الصغير
26
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
وقد قال أمير المؤمنين الإمام علي عليه السّلام : « القرآن ظاهرة أنيق ، وباطنه عميق ، لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه » « 1 » . وإنما يكشف عن باطن القرآن بتفسيره ، وإنما تلتمس غرائبه وعجائبه ببيانه وإيضاحه وتيسيره . وعن ابن عباس « الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهذّ الشعر هذّا » « 2 » . وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : « من قرأ القرآن ولم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي » « 3 » لأن قراءة القرآن مشروطة بالتدبر ، والتدبر لا يتأتى إلا بمعرفة معانيه على حقيقتها ، ومعرفة ذلك إنما تتم بالتفسير . لهذا كان علم التفسير كما قال عنها الأصبهاني : « أشرف صناعة يتعاطاها الانسان » « 4 » والعلوم إنما تتميز أهميتها بشرف موضوعها ، وجهة غرضها ، وشدة الحاجة إليها ، وإذا عرف ذلك فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث . أما من جهة الموضوع : فإن موضوع القرآن كلام اللّه تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة ، ومعدن كل فضيلة ، فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، لا يخلق على كثرة الردّ ، ولا تنقضي عجائبه ، وأما من جهة الغرض : فلأن الغرض منه هو الاعتصاب بالعروة الوثقى ، والوصول إلى السعادة الحقيقة التي لا تفنى . وأما من جهة شدة الحاجة إليه : فلأن كل كمال ديني أو دنيوي عاجلي أو أجلي مفتقر إلى العلوم الشرعية ، والمعارف الدينية ، وهي متوقفة على العلم بكتاب اللّه تعالى « 5 » . وهناك ناحية مهمة تكشف عن أهمية التفسير اليوم والحاجة إليه ، هي : أن القرآن حينما نزل على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم كانت سليقة العرب متسقة ، ومداركهم متفتحة ، وكان أمر إدراك القرآن لا يحتاج إلى كثير عناء ،
--> ( 1 ) الطبرسي ، مجمع البيان : 1 / 9 . ( 2 ) السيوطي ، الاتقان : في علوم القرآن : 4 / 172 . ( 3 ) مقدمتان في علوم القرآن : 193 . ( 4 ) السيوطي ، الاتقان : 4 / 173 . ( 5 ) المصدر نفسه ، الجزء والصفحة .